حيدر حب الله
59
حجية السنة في الفكر الاسلامي
فالدليل الدالّ على حجية السنّة يصلح بالمآل دليلًا على العصمة . والجواب : نعم ، لا ملازمة من هذه الناحية على المستوى الثبوتي ، فإنّ حجية النبي في سلوكه قد تنطلق من أن غالبية أفعاله وأقواله مطابقة للشريعة ، فتجعل لها الحجية على أساس غلبة إصابتها للواقع ، تماماً كما هي الحال في المبررات النظرية التي وضعها الأصوليون لحجية الظن وخبر الواحد ، فما دامت هذه المبررات معقولةً في نقل الخبر واعتماد الظن ، فما هو الذي يمنعها في نفس الفعل أو القول النبوي ما دام كذلك طريقاً لمعرفة الحكم الشرعي ؟ ولا فرق في ذلك بين الاثنين . وبعبارةٍ أخرى : إذا كانت الظنون ممكنة الحجية على أساس غلبة إصابتها للواقع ، مهما فسّرنا الحجية وأنها المصلحة السلوكية ، أو جعل الطريقية والعلمية ، أو التزاحم الحفظي . . فلماذا لا تكون سنّة النبي حجةً على الأساس نفسه ؟ ! غاية الأمر أن الواقع في الصورة الأولى يتصوّر عادةً متمثلًا في السنّة الشريفة ، فيما الواقع في الصورة الثانية يكون هو القول والحكم الإلهي ، وتكون السنّة هي الطريق إليه ، كما كان الظن طريقاً للسنّة ، فما هو الذي يميّز بين الحالتين حينئذ ؟ قد يقال : إن عدم عصمة النبي معناه إمكان كذبه في رسالته ، وكذلك إمكان كذبه في نقل أحكام الدين ، فلعلّه يكذب في كلّ هذه الأحكام ، فكيف يمكن الاعتماد على قوله حينئذٍ ؟ ! والجواب : إن المقصود بنفي العصمة هنا نفي العصمة في غير تبليغ القرآن وأساس الديانة أو ادّعاء النبوّة ، فهذه الحالات لا تثبت حجيّة السنّة ، بل الذي نريد من العصمة هو ما يثبت حجيّة السنّة ، وهو غير هذه الموارد التي تثبت أصل الدين وأساس النبوّة ، فهذه الموارد نفترض ثبوتها ، ولا نناقش فيها الآن . كما أن القول بعدم لزوم العصمة أو ثبوتها للنبي لا يعني بالضرورة كونه كاذباً عاصياً مطلقاً ، وكأن بعضهم يتصوّر أن نفي العصمة يلازم صدور كلّ شيء منه وهو قبيح ، مع أنه إنما يلازم - على أبعد تقدير - إمكان صدور هذه الأشياء القبيحة ،